ست رخيصة

جرت عليا بنتي الصغيرة وبكت:

ـ “يا ماما.. هو بابا زقك تاني؟”

نزلت لمستواهم، مسكت وشهم بإيديا الاتنين، ولأول مرة ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة فيها قوة مش انكسار، وقلت لهم بصوت ثابت:

ـ “لا يا حبيبتي.. أمك النهاردة صحيت. محدش هيقعد يبكي تاني في البيت ده.”

حضنتهم بكل قوتي، وقررت إن اللحظة دي هي بداية النهاية للظلم، وبداية الطريق اللي هثبت فيه لنفسي ولعيالي وللناس كلها.. إن الأمان مش شقة ولا سقف، الأمان هو إنك تقف على حيلك وتعيش بكرامتك.

 

 

وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات مرسي الجاية على السلم بسرعة، رجليه كانت بتهز الخشب القديم زي العاصفة. الباب اتفتح وفضلت عينيه تدور عليا وهو شايط، وبصلي بغل وهو يصرخ:

ـ “أنتِ إزاي تسيب الشقة فوق من غير ما تخلصي؟ وإزاي تتكلمي مع مراتي بالطريقة دي؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟”

العيال انكمشوا في ضهري وترعشوا، وكنت زمان بجري أترجاه واستسمحه عشان ما يمدش إيده أو يقطع المصروف. بس المرة دي، وقفت قدامه طول بطول، داريت عيالي ورايا وشديت ظهري لفوق، وبصيت في عينيه بثبات عمره ما شافه مني.

ـ “أنا مأنسيتش نفسي يا مرسي.. أنا افتكرتها. افتكرت إن ليا كرامة، وإن ربنا ما يرضاش بالذل ده. الشقة اللي فوق دي مش شغلتي، ومرتك تقدر تخدم نفسها.”

وشه اتغير، وأحمر من الغضب، وقرب مني خطوة وهو يرفع إيده عشان يرهبني زي كل مرة:

ـ “أنتِ بتقلبي عليا؟ طب وحياة عيالك دول لأرميكي في الشارع بدومك، ولا مليم يدخل البيت ده تاني، وأشوف هتأكليهم إزاي!”

ابتسمت ابتسامة وجع، بس كان فيها تحدي يهد جبال، وقلت له:

ـ “ارمي يا مرسي.. ارمي. الشارع أرحم من بيت اتهانت فيه كرامتي. واللقمة اللي هجيبها لعيالي بالحلال وعرق جبيني، حتى لو كانت حاف، هتبقى أطعم من طفح الدم اللي بتأكلهولنا بإهانة. أنت فاكر إنك ماسكني من إيدي اللي بتوجعني؟ عيالي كبروا، وشافوا أمهم وهي بتتداس، والنهاردة لازم يشوفوها وهي بتاخد حقها.”

العيال لما شافوا ثباتي، دموعهم وقفت. ابني الكبير وقف جمبي ومسك في إيدي وقال بصوت بيترعش بس مليان شجاعة:

ـ “احنا مع أمنا يا بابا.. مش عايزين منك حاجة.”

الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، عينه تنقلت بيني وبين العيال وهو مش مصدق إن الحيطة المايلة اللي كان بيدوس عليها وقفت على حيلها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *