ست سنين الجزء الثاني
فضل كريم ثابت مكانه، وعينه على شاشة موبايل أبوه.
الرسالة اختفت…
لكن الكلمات اللي لمحها كانت كفاية تخليه يحس إن فيه سر أكبر بكتير من اللي عرفه.
قال بهدوء، لكن نبرة صوته كانت مرعبة:
“هات الموبايل.”
الحاج محمود ضم الموبايل في إيده.
“مش من حقك.”
ابتسم كريم بسخرية.
“لأ… من حقي أعرف إيه اللي ضيعت عشانه ست سنين من عمري.”
ندى كانت حاسة إن كل حاجة بتخرج عن السيطرة.
قالت بسرعة:
“كريم… مش دلوقتي.”
لكن كريم كان مركز مع أبوه.
“الوصية بتاعة مين؟”
سكت الحاج محمود.
“أمي؟”
برضه مردش.
وفجأة اتفتح باب الأوضة، ودخل رامي وهو بيبص لكريم باستغراب.
“فيه محامي تحت بيسأل عليك.”
لف كريم ناحيته.
“اسمه إيه؟”
“المستشار فؤاد.”
بص كريم لأبوه.
“واضح إنه جه مخصوص.”
بعد أقل من دقيقتين، دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وفي إيده حقيبة جلد قديمة.
أول ما شاف الحاج محمود، قال:
“أنا آسف… لكن بعد اللي حصل تحت، مقدرتش أستنى.”
الحاج محمود رد بعصبية:
“مش وقته.”
المستشار بص لكريم.
“بل بالعكس… ده وقته.”
فتح الحقيبة، وطلع منها ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
وقال:
“دي وصية المرحومة الحاجة فاطمة المنشاوي… والدتك.”
كريم حس بقلبه بيدق بعنف.
أمه ماتت من سبع سنين…
وعمره ما سمع إنها سابت وصية.
قال وهو بيقرب:
“إزاي أول مرة أشوفها؟”
المستشار بص للحاج محمود.
“لأن والدك طلب مني أحتفظ بيها، وما تتفتحش غير في ظروف معينة.”
كريم خطف الظرف من إيده.
فتح الختم بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة.
بدأ يقرأ بصوت عالي.
“إذا كنت بتقرأ الرسالة دي يا كريم… يبقى للأسف أنا مبقتش موجودة.”
وقف لحظة يحاول يتمالك نفسه.
وكمل.
“فيه حاجة لازم تعرفها… أنا عمري ما وافقت إنك تبعد عن ندى، ولا عمري صدقت إنها بنت سيئة. ولو في يوم اختفت من حياتك فجأة، أعرف إن ده ماكانش اختيارها.”
رفع كريم عينه ببطء.
بص ناحية أبوه.
أما الحاج محمود…
فبدأ يفقد ثباته لأول مرة.
كريم كمل القراءة.
“وأطلب منك طلب واحد… لو ربنا جمعكم تاني، اسمع منها بنفسك، ومتصدقش أي حد حتى لو كان أقرب الناس ليك.”
الورقة وقعت من إيد كريم.
لف ناحية أبوه.
“يعني… أمي كانت عارفة؟”
الحاج محمود قعد على أقرب كرسي، وكأنه كبر عشر سنين في دقيقة واحدة.
قال بصوت متعب:
“كانت شاكّة… لكنها ماتت قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.”
ندى كانت واقفة ساكتة، دموعها بتنزل في هدوء.
أما مليكة، فمسكت إيد كريم وقالت:
“إنت زعلان؟”
نزل لمستواها، وحاول يبتسم.
“شوية.”
حضنته من غير ما تتكلم.
وفي اللحظة دي…
المستشار فؤاد قال جملة خلت الجميع يبص له.
“دي مش الوصية الوحيدة.”
اتسعت عيون كريم.
“تقصد إيه؟”
فتح المستشار الحقيبة مرة تانية، وطلع ملف أزرق سميك.
“فيه ملف تاني… المرحومة سلمتهولي قبل وفاتها، وقالت مايتفتحش إلا إذا ظهرت حفيدتها في يوم من الأيام.”
بص الجميع تلقائيًا ناحية مليكة.
أما كريم…
فكان حاسس إن السر الحقيقي، لسه ما بدأش.