ست رخيصة

بقيت بصالها ومش عارفه اعمل ايه وولادى هيروحوا فين لو منفذلتهاش طلبها

وقفت مكان مابتحركش، عيني مثبتة عليها وعلى طبق المية والملح اللي اتدفق على الأرض والغرق مالا المكان. رجلي كانت بتترعش بس المرة دي مكنتش رشة خوف، كانت رشة فايقة.. زي اللي صحيت فجأة من كابوس طال سنين.

بصتلي بقرف وقالت بصوت مليان تعالي:

ـ “إيه الغشامة دي؟ وقعتي الطبق! امسحي المية دي بسرعة وهاتي غيره، ولا مستنية لما أقول لجوزك يوريكي مقامك ؟”

الكلمة طلعت منها زي السهم، بس بدل ما واطى راسي زي كل مرة، حسيت بدمي بيغلي. افتكرت عيالي.. افتكرت نظرة القهرة في عيونهم وهما شايفين أمهم بتهان، افتكرت إن التضحية لما تزيد عن حدها بتبقى إهانة، وإن السكوت مش حماية للعيال ده ذبح ليهم ولنفسيتهم كل يوم.

قربت منها خطوة خطوة، عيني كانت في عينها. الضحكة الخفيفة اللي كانت على وشها بدأت تختفي فجأة لما شافت نظرتي.. النظرة اللي عمرها ما شافتها في عيني قبل كده.

قالت بتلعثم وحاولت تداري خوفها:

ـ “أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ اتجننتي؟”

رديت عليها بصوت هادي، بس أهدى من الهدوء اللي بيجي قبل العاصفة، صوت طالع من قعر وجعي:

ـ “أنا مكنتش مجنونة.. أنا كنت عمياء. كنت فاكرة إن الصبر على الظلم حمايه لاولادى، وإن الكسرة عشان العيال حماية.. بس النهاردة بس عرفت إن الأم اللي تهون على نفسها، بتهون على عيالها وعلى الدنيا كلها.”

وطيت، مش عشان أرخص نفسي، لكن عشان ألمّ حتت الطبق المكسور. مسكت أكبر حتة فيه ووقفت، ورفعت راسي للسما وقلت جوايا: “يا رب، أنت الشاهد إن طاقتى خلصت، وإن الكرامة اللي اتدست تحت الرجلين دي لازم تقوم.”

رميت حتة المطبخ على الترابيزة جنبها، الصوت خضها وخلاها ترجع لورا على الكنبة. بصيت لها وقلت:

ـ “المية والملح دول تبليهم وتشربيهم أنتِ وهو. أكل ومش هطبخ، شقة ومش هنضف، والقرش اللي كنت باخده بإهانة، القانون هيجيبهولي غصب عنكم

نزلت من الشقة خطوة خطوة، ومشيت في الممر وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري لأول مرة من سنين. أيدي كانت بتترعش، بس قلبي كان جبل.

أول ما فتحت باب شقه حماتى القديمه تحت، لقيت عيالي قاعدين على الكنبة القديمة، يبصوا للباب بلهفة وخوف.. خايفين أرجع دموعي على خدي زي كل يوم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *