ست سنين الجزء الاول
أول ما باب الأوضة اتقفل، حس كريم إن صوت القاعة كلها اختفى.
ما بقاش سامع غير دقات قلبه.
مليكة كانت بتلف في الأوضة وهي بتتفرج على اللوحات المعلقة، وكأنها مش مدركة إن حياة تلاتة أشخاص هتتغير بعد دقائق.
أما ندى، فكانت واقفة قدام الباب، ضامة إيديها في بعض، وكأنها مستنية حكم هيغير عمرها كله.
كريم كسر الصمت.
“ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟”
ندى أخدت نفس طويل، لكن قبل ما تتكلم، مليكة جريت ناحيته.
“هو أنا ممكن أقعد جنبك؟”
بصلها لحظة، وبعدها ابتسم لأول مرة من ساعة ما شافها.
“طبعًا.”
قعدت جنبه على الكنبة، وبدأت تحكي بعفوية:
“ماما كانت دايمًا تقول إنك بتحب الأطفال… وإنك شاطر أوي في شغلك.”
ابتسم رغم عنه.
“وقالت لك عني إيه كمان؟”
“قالت إنك أطيب واحد عرفته.”
ندى غمضت عينيها للحظة.
أما كريم فكان باصصلها باستغراب.
لو هي بتكرهه…
ليه كانت بتتكلم عنه بالشكل ده؟
رجع بص للبنت.
“هو إنتِ عرفتي اسمي منين؟”
ضحكت.
“كل يوم قبل ما أنام كنت ببص على صورتك.”
شهقت ندى.
“مليكة…”
لكن البنت كملت بعفوية:
“الصورة اللي في الدرج… اللي ماما كانت بتفتكر إني مش عارفاها.”
كريم بص لندى.
“لسه محتفظة بصورتي؟”
نزلت دموعها.
“ولا يوم قدرت أرميها.”
سكت ثواني.
وبعدين سأل السؤال اللي كان بيحرق قلبه.
“مليكة… بابا فين؟”
البنت استغربت السؤال.
وقالت بمنتهى البراءة:
“قدامي.”
حس كريم إن قلبه وقف.
ندى بسرعة قالت:
“مليكة… العب شوية عند الشباك يا حبيبتي.”
أول ما البنت بعدت، كريم وقف مرة واحدة.
“عايز الحقيقة.”
ندى هزت راسها.
“الحقيقة إن مليكة بنتك.”
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
رجع خطوة لورا وهو بيبص للبنت.
ملامحها…
ضحكتها…
حتى طريقة كلامها…
كل حاجة فيها بقت مفهومة.
قال بصوت مهزوز:
“ليه… ليه حرمتيني منها ست سنين؟”
ندى مسحت دموعها بسرعة.
“أنا ما حرمتكش.”
“أمال مين؟”
سكتت لحظة، وكأنها بتحارب نفسها.
وبعدين قالت:
“أبوك.”
قطب كريم حاجبيه.
“إنتِ بتقولي إيه؟”
“بعد ما عرفت إني حامل، رحت أقابله عشان أطلب منه يساعدني أوصلك.”
“وبعدين؟”
“قالي إنك خلاص وافقت تتجوز بنت شريككم… وإنك مش عايز أي ارتباط بيا.”
اتسعت عيون كريم.
“مستحيل.”
“وأداني ظرف… قالي فيه إنك اللي كتبته.”
“كان مكتوب فيه إنك مش عايز تشوفني تاني.”
كريم هز راسه بعنف.
“أنا عمري ما كتبت أي جواب.”
ندى فتحت شنطتها ببطء.
وأخرجت ظرفًا قديمًا، اصفر لونه من الزمن.
“احتفظت بيه… لأن قلبي طول عمره كان رافض يصدق إن دي كلماتك.”
مدتهوله.
أخده بإيده المرتعشة.
ولأول مرة من ست سنين…
شاف الخط.
مش خطه.
لكن…
كان خط يعرفه كويس.
خط والده.
رفع عينه ناحية ندى، ولسه هيبدأ يتكلم…
وفجأة سمعوا خبطات قوية على باب الأوضة.
وصوت غاضب من بره بيقول:
“افتح يا كريم… لازم نتكلم حالًا.”
بص كريم ناحية الباب، وعرف الصوت من أول كلمة.
كان صوت أبوه.