حكايات روماني مكرم الثاني
اقترب مني خطوة، وكانت عيناه تتوسلان مهلة للتفكير:
– “حلول إيه يا ندى؟ إحنا بنينا البيت ده مع بعض، ومفيش حد يقدر يتدخل بينا…”
– “الحل الأول،” قطعتُ حديثه بنبرة حاسمة: “إنك تلم أمتعتك فوراً وتخرج، تروح لأمك وتعيش الأسبوع اللي خططت له، وفي خلال الأسبوع ده تقرر.. يا إما ترجعلي راجل صاحب قرار بيحمي مراته وبيحط حدود قاطعة لأي حد يفكر يمس كرامتها، يا إما التسجيل ده يوصل للكل ورسالة طلاقي تجيلي لحد عندي.”
بلع ريقه بصعوبة وسأل بصوت مبحوح:
– “والحل الثاني؟”
– “الحل الثاني إنك تقعد هنا.. بس بشرط، ترتدي هدومك حالا، وتنزلي معايا لعند أمك في شقتها، وقدام بنت خالك وعيلتها كلها، تعتذر لي عن المهزلة اللي حصلت، وتعلن قدامهم كلهم إن ندى هي صاحبة البيت الأول والأخير، وإن اللي تفكر تتخطى حدودها مش هتشوف منك غير الصد والهوان. تختار إيه؟”
وقف أحمد مشلول التفكير. كان يعلم تماماً أن الذهاب لأمه ومواجهتها يعني إعلان الحرب عليها، وأن خروجه من الشقة يعني اعترافاً ضمنياً بضعفه وهزيمته أمامي. تخبطت أفكاره لدقائق، والنظر بين عينيّ الصارمتين وبين باب الشقة.
وفجأة، تحرك نحو الخزانة، وأمسك بمقبضها، وسحب مقبض الحقيبة الكبيرة. ساد ظني للحظة أنه اختار الهرب والخروج، لكنه ألتفت إليّ ونظر في عينيّ بنبرة جديدة، نبرة رجل أدرك أخير خطورة ما كان سيخسره:
– “أنا مش هسيب بيتي يا ندى.. ومش هسيبك تمشي من حياتي ولا هسمح لحد يهد اللي بنيناه. غيري هدومك.. إحنا نازلين لأمي حالا.”
تنفستُ الصعداء في سري دون أن أظهر على وجهي أي أثر للتراجع. ارتديتُ عباءتي الأنيقة، ووقفتُ أمام المرآة أظبط حجابي بكل ثقة. لم تكن هذه مجرد مواجهة مع حماتي وبنت أخيها، بل كانت المعركة الفاصلة التي ستحدد مستقبلي في هذا البيت.
نزلنا درجات السلم بخطوات متزنة. كان أحمد يمشي بجواري، لكن ملامحه كانت مشدودة كأوتار القيثارة. وقفنا أمام باب شقة حماتي. أخذ أحمد نفساً عميقاً، ثم رفع يده وطرق الباب بقوة.
فتحت حماتي الباب وعلى وجهها ابتسامة نصر زنيفة ظناً منها أننا جئنا لنسترضيها، وكانت بنت أخيها تجلس في الصالة تتابع المشهد بفضول واثق. لكن الابتسامة سرعان ما تجمدت على شفتي حماتي عندما رأت نظرات ابنها الحادة ووقفتي الصلبة بجانبه.