خرجت من باب العمارة ورجلي بالعافية شيلاني، الشمس كانت بدأت تكسر وغروب حزين نازل على الحارة. الناس تحت كانوا واقفين مجموعات بيتهامسوا، الخبر نزل زي الصاعقة في المنطقة كلها: "محمود خائن أخوه ومغفل مراته اللي طافحة الكوتة عشان تديه الفلوس". مشيت في الشارع ومش عارفة أنا رايحة فين. عقلي كان شغال زي الفرن، صورتهم في الأوضة مش راضية تروح من بالي، وصوت ضحكتها الرخيصة بيرن في ودني زي الجرس. مسكت شنطتي وحطيت إيدي في جيبي، لمست علبة الدهب والفواتير.. دهب عمري وشقايا، الكام غويشة اللي كنت بفرح وأنا بشتري كل واحدة فيهم بعد شهور من الحرمان والمصاريف المسحوبة بالجنيه. رحت على بيت أبويا، فتحت لي أمي الباب وأول ما شافت وشي مصفور وعيوني زاغة وجسمي بيترعش، صرخت ولطمت على صدرها: * "مالك يا أميرة؟! في إيه يا بنتي؟ محمود جرى له حاجة؟!" دخلت وقعدت على أقرب كرسي، مسكت إيد أمي وبصيت لها، والدموع اللي كنت حابساها قدام الجيران والباشوات في الحارة نزلت زي المطر، دموع قهر ووجع: * "محمود خانني يا أمي.. خانني مع سماح مرات أحمد أخوه.. سرق فلوسي ودهبي وكتبه باسمها، وكان يقابلها في بيت أخوه في عز الظهر وأحمد طافح الدم في الغربة!" أمي صدمتها كانت أكبر من إنها تستوعبها في ثواني، قعدت على الأرض قدامي وبقت تضرب على فخذها: * "يا مري! يا فضيحتك يا عيلة! سماح؟! ومحمود؟! يا لهوي يا بنتي! أنتِ بتتكلمي جد ولا اتجننتي؟!" طلعت الفواتير والدهب وحطيتهم في حجرها: * "دي الفواتير باسم سماح، وده دهبي اللي قالي شاله في البنك عشان مشروع العمر! ومسكتهم بعيني في الأوضة، وكلمت أحمد في الخليج وفتحيلت له الفيديو وشاف كل حاجة بعينه!" في اللحظة دي دخل أبويا من باب البيت، راجل كبير على قد حاله، ظهره محني من التعب والزمن. أول ما شاف أمي بتولول وأنا ببتدب في عياطي، اتخض ونزل عصايته على الأرض: * "فيه إيه يا جماعة؟ الصوت طالع للشارع ليه؟" أمي حكت له الموضوع والدموع في عينها. أبويا وشه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية وطيبة تحولت لغضب أعمى، عيونه احمرت وجسمه كله اتنفض: * "الواطي! ابن الحرام! ياكل خيرك وخير أخوه ويخون العرض؟! والله ما أسيب حك يا أميرة، والله لأجيب حقك وحق شقاكِ من عينيه!" أبويا مسك تليفونه وطلب حاج "عثمان" كبير العيلة عندهم وكبير الحارة، وقال له بصوت يرعب: * "يا حاج عثمان.. اتجمعوا في بيت المرحوم، ابنكم محمود عمل فعلة لا يغسلها ماية البحر، وأنا جاي في الطريق ومعايا حقي بالقانون والعرف!" مرت الساعات زي السكاكين بتذبح في عقلي. الساعة جت واحدة بعد نص الليل، والتليفون رن.. كان رقم أحمد! رديت عليه بسرعة، صوته كان جاي من المطار، صوت راجل مكسور وميت حيا، بس مليان بالغل والدم: * "أميرة.. أنا نزلت مصر.. أنا في العربية ورايح على الحارة دلوقتي. اجمعي أهلك وتعالي على البيت." أنا وأبويا وإخواتي الاثنين الرجالة نزلنا فوراً. الحارة كانت صاحية كلها، الأنوية قايدة على القهاوي، والناس واقفة مستنية الدمار اللي جاي. الشارع كان ساكت سكون مرعب، زي الصحرا قبل العاصفة. أول ما وصلنا بيت محمود، لقينا أحمد نازل من التاكسي. الراجل اللي سافر من سنة ووشه منور وشبابه متغذي، راجع ووشه دبلان وجسمه مهدود وعيونه فيها شعلة نار ترعب أي حد يبص فيها. أول ما شاف أبويا وإخواتي، جه علينا وباس رأس أبويا وهو بيترعش: * "حقك عليا يا عمي.. حقك وحق بنتك على رأسي من فوق.. بس سبوني أطفي النار اللي في قلبي الأول!" طلعنا السلم ورانا كبار المنطقة والحاج عثمان. أحمد فتح باب الشقة بالمفتاح بتاعه ودمه بيغلي. أول ما الباب اتفتح، لقينا محمود قاعد في الصالة ومربوط في الكرسي، الجيران كانوا حابسينه ومقعدين سماح في الأوضة التانية وقافلين عليها الباب عشان ما تهربش. أول ما محمود شاف أحمد دخل، صرخ برعب: * "أحمد! افهمني يا أخويا! والله العظيم أميرة تبلت عليا! والله ما حصل حاجة!" أحمد ما اتكلمش ولا كلمة.. قرب منه وزي اللبؤة المفروسة، ضربه بنيّة في وشه طيرت أسنانه، والدم طرشق على الحيطة. محمود بدأ يصرخ ويستغيث، بس محدش من الرجال اللي واقفين تحرك ولا حد حن عليه. الكل كان شايف إن اللي بيحصل ده أقل حاجة تتسوى في خاين العرض والمال. أحمد شد محمود من الكرسي ونزله على الأرض ضرب بالرجلين وبالإيدين، ومحمود بيصرخ ويترجى: * "حرام عليك يا أحمد! أنا أخوك من أباك وأمك! بلاش تموتني!" أحمد مسكه من شعره ورفع وشه الدموي: * "أخويا؟! أنت بعت الأبوة والأخوة والدم لما دخلت سرير مراتي يا واطي! لما أكلت من شقا مرتك وشقايا وعملت بينا مشروع الخيانة?!" في الوقت ده، أحمد جرى على أوضة النوم وكسر الباب، وشد سماح من جوة ورماها في نص الصالة جنب محمود. سماح كانت بتصرخ وتتمرغ تحت رجلين أحمد: * "سامحني يا أحمد! شيطان ودخل بينا! والله محمود هو اللي أغراني وقالي هيطلق أميرة ويتجوزني ويبنيلي بيت لوحدي!" محمود صرخ وهو بيحاول يقعد: * "كدابة! أنتِ اللي كنتِ بتتسحبي وتيجي أوضتي وتقوليلي أحمد مأخر الفلوس وأنت اللي بتصرف عليا!" الفضيحة بقت جهاراً نهاراً قدام العيلة كلها والجيران. الكلمات دي كانت زي البنزين اللي اترش على النار. الحاج عثمان رفع إيده وقال بصوت قاطع هز الصالة: * "بس أنت وهي! يسكت الخاين وسكتت الخاينة! الكلام هنا كلام عرف وحق، واللي عملتوه ما لوش غير جزاء واحد!" أبويا تقدم ووقف قدام محمود وهو ماسك عصايته، بص له بقرف وشديد: * "أنت يا محمود مش بس خنت أخوك، أنت سرقت بنتي وشقاها. الفلوس اللي أخدتها منها، والدهب اللي سجلته باسم السافلة دي، هيرجع لمرتك حتى آخر مليم.. وإلا قسماً بالله ما هتخرج من المنطقة دي على رجليك!" أحمد كان بيتنفس بصعوبة، بص لأبويا وقال له وهو بيترعش: * "حق بنتك في رقبتي يا عمي.. محمود ملوش مليم واحد في البيت ده ولا في ورث أبونا، الدهب يرجع لأميرة، والفلوس اللي سرقها هتدفع من نصيبه في أرض العيلة اللي في البلد، وهتتكتب باسم أميرة فوراً!" محمود صرخ وهو بيعيط: * "أرض إيه؟! دي تحويشة عمري وأرض أبوي! مش هكتب حاجة!" أحمد مسك محمود من زفره وخنقه لحد ما وشه احمر: * "تكتب وغصباً عنك، يا إما التسجيل اللي مع أميرة والفيديو ده يروح للنيابة الصبح، وبتهمة الزنا والخيانة العظمة هتتركب في السجن 3 سنين غير الفضيحة اللي هتفضل ملاحقاك لحد ما تموت! اختار يا محمود.. السجن والفضيحة والضرب، ولا تطلع من المولد بلا حمص وتغور من وشنا خالص؟!" محمود بص حواليه، شاف عيون الناس كلها قرفانة منه، شاف الجيران بيبصوا له كأنه حشرة، وشاف أحمد أخوه مستعد يق/تله بدم بارد لو ما وافقش. وطى رأسه للأرض وهو بيشهق من العياط: * "موافق.. هتنازل عن نصيبي في الأرض وهرد الدهب والفلوس.. بس سيبوني أمشي!" سماح قامت على حيلها وبقت تصرخ: * "وأنا يا أحمد؟! هتسيبني كده؟ أنالي إيه؟!" أحمد بص لها بعيون مفيهاش نقطة رحمة، وبصق في وشها قدام الكل: * "أنتِ؟ أنتِ طالق بالتلاتة! طالق طلقة ما ترجعيش بعدها أبدًا! وتطلعي من بيتي بالهدوم اللي عليكِ دي بس! دهبك وفلوسك يلزموا الفضيحة اللي عملتيها، وهترجعي لبيت أبويكي في الصعيد يربوكي من جديد!" سماح قعدت على الأرض تلطم وشعرها متنعكش، ما بقاش لها لا زوج ولا دهب ولا شرف، وكل اللي بنته بالحيلة والمياعة ضاع في لحظة واحدة. أنا كنت واقفة متسمرة في مكاني، حاسة بإحساس غريب.. خزي من اللي حصل، بس في نفس الوقت راحة، راحة إن الحق ما ضاعش وإن الظالم أكل نصيبه قدام عيني. محمود رفع وشه المضروم وبصلي، عيونه كانت بتترجاني، قال بصوت ضعيف: * "أميرة.. سامحيني.. الشيطان غواني، ما تضيعيش بيتنا.." قربت منه خطوة واحدة، وبصيت له من فوق لتحت بقلب ميت وقاسي زي الصخر: * "بيتنا؟! البيت ده اتهدم من اللحظة اللي فكرت فيها تمد إيدك على فلوسي وتخون أخوك في بيته! أنت مش بس طردتني من حياتك، أنت طردت نفسك من بني آدمين! ورق طلاقي يجيلي لحد بيت أبويا بكرة الصبح، ومؤخري ونفقتي وكل حقوقي تاخدها بالقانون والورق اللي هتكتبه في القعدة دي!" الحاج عثمان جاب ورقة وقلم، وقعدوا كبار المنطقة يكتبوا شروط الجلسة العرفية: تنازل محمود الكامل عن نصيبه في أرض العيلة لأميرة مقابل الفلوس والدهب اللي سرقهم، طلاق أميرة طلاقاً بائناً مع دفع كامل حقوقها، وطلاق سماح وتجريدها من أي حقوق مالية. محمود مضى وبصم وهو بيعيط دم، ويده بتتنفض على الورقة. أول ما خلص، أحمد مسكه من قفاه ورماه برة باب الشقة في السلم، وقال له بصوت هز العمارة: * "لو رجلك وطئت الحارة دي تاني يا محمود، مش هرحمك.. اغور!" محمود نزل السلم بيتحركل ويجر رجله، وراه نظرات القرف والشتائم من الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم. أنا أخدت ورقتي ودهبي، ومسكت إيد أبويا وإخواتي وخرجت من البيت ده وأنا مرفوعة الراس. الشارع اللي دخلته وأنا مكسورة ومهدودة من عز الظهر، خرجت منه في الفجر وأنا واخدة حقي تالت ومتلت. بس هل القصة خلصت لحد هنا؟ هل محمود هيرضى بالخسارة دي ويسكت بعد ما اتجرد من أرضه وفلوسه وشرفه؟ ولا الستار هيتفتح على انتقام جديد ومفاجآت ألعن من اللي فاتت لما محمود يكتشف السر الحقيقي اللي كان مستخبي ورا علاقة سماح بيه؟!