ست سنين الجزء الاول
بعد حوالي نص ساعة من بداية فرح واحد من اكبر رجال الأعمال في القاهرة، القاعة كانت مليانة ضحك ومزيكا وصوت كاسات بتخبط في بعضها، والكل بيتكلم عن صفقة جديدة أو مشروع جاي. في وسط الزحمة دي كلها، كانت بنت صغيرة عندها حوالي ست سنين بتجري بين الترابيزات، تعدي من بين الجرسونات والمعازيم وكأنها مش شايفة حد غير شخص واحد.
كانت لابسة فستان وردي بسيط، والفيونكة اللي في وسطه كانت ميلة، واضح إنها هي اللي ربطاها بنفسها. شعرها الكيرلي الأسود كان بيتنطط مع كل خطوة، وعلى كتفها شنطة صغيرة ماسكاها بإيدها بكل اهتمام.
وقف رجل الأعمال كريم المنشاوي، صاحب أكبر شركة تطوير عقاري في البلد، بيشرب العصير وهو بيتكلم مع مجموعة من المستثمرين. لمح البنت وهي جاية ناحيته، لكنه افتكر إنها أكيد ضلت طريقها.
لكن أول ما وقفت قدامه، بصتله بعينيها الواسعة وابتسمت بأجمل براءة، وبعدها صرخت بصوت عالي خلا القاعة كلها تسكت:
“بابا كريم!”
الكوباية وقعت من إيده واتكسرت على الأرض.
المزيكا وقفت.
وكل اللي في القاعة لفوا يبصوا عليه.
قبل ما يستوعب اللي حصل، كانت البنت حضنته من رجله وهي بتضحك.
“أخيرًا لقيتك… كنت بدور عليك.”
كريم فضل واقف مكانه، مش قادر يتحرك ولا ينطق.
نزل بعينيه عليها، وقلبه بدأ يدق بعنف.
ملامحها كانت مألوفة بطريقة غريبة… لكن اللي صدمه بجد كان لون عينيها.
عسلي مائل للدهبي…
نفس اللون النادر اللي معروف في عيلة المنشاوي من أجيال.
رفع عينه بسرعة، فشاف ست واقفة في آخر القاعة، وشها شاحب وملامحها مليانة خوف.
الدكتورة ندى الشريف.
آخر مرة شافها كانت من ست سنين.
من اليوم اللي اختفت فيه فجأة من حياته، من غير رسالة، ولا مكالمة، ولا حتى فرصة يواجهها.
فضل يدور عليها شهور طويلة، ولما ملقاش أي أثر، اضطر يقنع نفسه إنها اختارت تمشي.
لكن دلوقتي…
كانت واقفة قدامه.
والبنت اللي نادته “بابا” كانت جاية معاها.
ندى قربت بخطوات مترددة وهي بتحاول تتحكم في ارتباكها.
“مليكة… تعالي يا حبيبتي.”
لكن البنت هزت راسها وقالت بعناد طفولي:
“استني يا ماما… أنا لسه ما وريتوش الهدية.”
فتحت شنطتها الصغيرة، وطلعت رسمة مرسومة بالألوان.
مدتها لكريم بابتسامة.
“دي ليك.”
أخدها بإيده وهو لسه مش مستوعب.
كانت الرسمة لمستشفى أطفال كبيرة، قدامها جنينة مليانة ورد، وشبابيك واسعة بيدخل منها النور.
ابتسم رغم عنه.
“إنتِ اللي رسمتيها؟”
هزت راسها بحماس.
“آه… وماما قالتلي إن حضرتك بنيت المستشفى دي عشان الأطفال ميخافوش وهما بيتعالجوا.”
كريم اتجمد.
الجملة دي…
ماكانش يعرفها غير شخص واحد.
ندى.
هي اللي كانت زمان بتحكيله إن المستشفيات لازم يبقى فيها شجر وشمس وألوان، عشان الطفل يحس إنه في مكان آمن.
بعد ما اختفت، بنى المستشفى زي ما كانت بتحلم.
رفع عينه عليها.
كانت الدموع مالية عينيها.
قال بصوت خرج بالعافية:
“إيه اللي بيحصل يا ندى؟”
ندى بصت حواليها.
المعازيم كلهم بقوا بيتفرجوا، وكام واحد طلع موبايله وبدأ يصور.
الهمسات زادت.
“مين البنت دي؟”
“إزاي قالت له بابا؟”
“هي كانت متجوزاه؟”
حست ندى إن الموقف هيخرج عن السيطرة.
قالت بهدوء:
“مش هنا… لو سمحت.”
في اللحظة دي وصل رامي، شريك كريم وصاحبه المقرب.
بص للمشهد كله في ثواني، وفهم إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
قال بهدوء:
“في أوضة خاصة فوق… محدش هيدخل عليكم.”
هز كريم راسه من غير ما يشيل عينه من ندى.
بعدها بص للبنت.
“اسمك إيه يا حبيبتي؟”
ابتسمت وقالت:
“مليكة… مليكة الشريف.”
“وعندك كام سنة؟”
“ست سنين.”
الإجابة نزلت عليه كالصاعقة.
ست سنين…
نفس عدد السنين اللي فاتت من يوم اختفاء ندى.
مدت مليكة إيدها الصغيرة ناحيته.
“يلا؟”
بصلها ثواني طويلة، وبعدها مسك إيدها من غير ما يحس.
أول ما أصابعها لمست إيده، قلبه اتقبض بطريقة عمره ما حس بيها.
كان عنده ألف سؤال.
مين الطفلة دي؟
وليه ندى رجعت دلوقتي؟
وليه البنت بتناديه “بابا” بكل الثقة دي؟
لكن السؤال اللي كان مرعب أكتر من أي حاجة…
هو ليه حاسس من أول لحظة إنه على وشك يعرف اسرار كتيره ، هتقلب حياته وحياة كل عيلته رأسًا على عقب؟