ست سنين الجزء الثاني

ساد صمت ثقيل في الأوضة.
كل العيون اتجهت ناحية الملف الأزرق اللي في إيد المستشار فؤاد.
كريم مد إيده وقال:
“افتحه.”
المستشار هز رأسه.
“في شرط.”
عقد كريم حاجبيه.
“شرط إيه؟”
“الملف يتقري قدام الأشخاص المذكورين فيه… وإلا يفقد قيمته القانونية.”
بص حواليه وقال:
“حضرتك… والدك… الدكتورة ندى… والبنت.”
مليكة رفعت إيدها الصغيرة وقالت ببراءة:
“أنا كمان؟”
ابتسم المستشار.
“أيوه يا صغيرتي… إنتِ أهم شخص هنا.”
قعد الجميع، بينما فتح المستشار الملف بهدوء.
طلع منه ظرف أبيض، وصورة قديمة.
الصورة كانت لكريم وندى.
واضح إنها اتصورت قبل سنين، وهما بيضحكوا في حديقة عامة.
مليكة خطفت الصورة من على الترابيزة.
“دي ماما!”
وبعدين بصت لكريم.
“وده إنت.”
ابتسمت.
“كنتوا مبسوطين أوي.”
كريم حس بغصة في قلبه.
نسي قد إيه كان بيضحك زمان.
فتح المستشار الخطاب، وبدأ يقرأ.
“إذا وصلتم لقراءة الرسالة دي… يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.”
كانت الرسالة بخط والدة كريم.
“يا محمود… لو كنت بتسمع كلامي دلوقتي، يبقى أرجوك متكملش في الغلط اللي بدأته. الحب عمره ما كان هيهدد اسم العيلة، لكن الكذب هو اللي هيهدده.”
الحاج محمود نزل بعينه في الأرض.
أما كريم فكان بيبص له في صدمة.
كملت الرسالة:
“أنا اكتشفت قبل وفاتي إن ندى حامل من كريم، وطلبت منك تدور عليها وترجعها، لكنك وعدتني وعد، ويارب تكون نفذته.”
المستشار وقف عن القراءة.
الأوضة كلها اتجمدت.
كريم ببطء لف ناحية أبوه.
“يعني… أمي كانت عارفة إن ليها حفيدة؟”
الحاج محمود غمض عينيه.
ولأول مرة… انهارت هيبته.
“أيوه.”
“ولما وعدتها ترجعنا لبعض…”
سكت.
“عملت إيه؟”
نزلت دمعة من عين الرجل.
“كذبت عليها.”
ندى شهقت.
أما كريم، فحس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
قال بصوت كله وجع:
“يعني أمي ماتت وهي فاكرة إنك هتصلح كل حاجة…”
الحاج محمود هز رأسه وهو بيبكي لأول مرة قدام ابنه.
“أنا كنت فاكر إني بحميك.”
كريم رد بغضب:
“لأ… إنت حرمتني من أمي قبل ما تموت، وحرمتني من بنتي وهي بتكبر.”
في اللحظة دي، مليكة سابت إيد أمها، ومشت لحد جدها.
كل الموجودين افتكروا إنها هتخاف منه.
لكنها عملت حاجة محدش توقعها.
طلعت من شنطتها منديل صغير، ومدته للحاج محمود.
وقالت ببراءة:
“ماما بتقول اللي بيغلط لازم يعتذر… بس اللي بيعيط لازم حد يديه منديل.”
رفع الحاج محمود عينيه للبنت.
وأخد المنديل بإيد مرتعشة.
أما كريم…
فكان واقف ساكت.
لأول مرة شاف أبوه مش كرجل الأعمال القوي اللي الكل بيهابه…
لكن كرجل عجوز، ضيع ابنه، وضيع حفيدته، وخسر سنين عمره بسبب قرار واحد.
لكن رغم كل الاعترافات…
كان لسه فيه سؤال واحد محدش جاوب عليه.
لو الحاج محمود كان عارف مكان ندى ومليكة طول السنين دي…
مين الشخص اللي كان بيموله، وبيتابع أخبارهم في السر، من غير ما ندى تعرف؟
سؤال كريم فضل معلق في الهوا.
“مين كان بيتابعهم؟”
الحاج محمود سكت.
لكن المستشار فؤاد هو اللي رد.
“فيه شخص كان بينفذ كل تعليمات والدك.”
اتشدت ملامح كريم.
“مين؟”
“حسام.”
اتسعت عيون كريم.
“حسام؟… السواق بتاع العيلة؟”
هز المستشار رأسه.
“من يوم ما ندى سابت القاهرة، كان بيوصل المصاريف كل شهر من غير ما يقول مين اللي باعتها.”
ندى بصت باستغراب.
“أنا كنت فاكرة إنها مساعدات من جمعية خيرية.”
المستشار طلع شوية إيصالات من الملف.
“كل التحويلات كانت باسم مؤسسة خيرية، لكن الحساب الحقيقي كان خاص بالحاج محمود.”
كريم لف ناحية أبوه.
“يعني كنت بتراقبهم؟”
الحاج محمود قال بصوت ضعيف:
“كنت أطمن إنكم بخير.”
“تطمن؟”
ضحك كريم ضحكة كلها مرارة.
“يعني كنت تشوف بنتي بتكبر سنة ورا سنة… وماخطرش في بالك تجيبها لحضني؟”
الرجل نزل رأسه.
“كل سنة كنت أقول السنة الجاية.”
ندى مسحت دموعها.
“وكل سنة كنت أحارب لوحدي.”
مليكة كانت بتبص لهم في حيرة.
شدت جاكت كريم وسألته:
“هو جدو زعلك؟”
كريم ابتسم بالعافية.
“شوية.”
قالت بمنتهى البراءة:
“يبقى سامحه… ماما بتقولي إن الزعل الكبير بيتعب القلب.”
ندى بصت لبنتها بابتسامة حزينة.
أما كريم فحس بقلبه بيتقطع.
البنت اللي كان المفروض يكبرها بإيده…
بقت هي اللي بتعلمه معنى التسامح.
وفجأة…
رن موبايل رامي.
بص للشاشة، واتغير وشه.
“كريم…”
“في إيه؟”
“الخبر نزل.”
كريم أخد منه الموبايل.
وكان أول عنوان ظاهر على كل مواقع الأخبار:
“رجل الأعمال كريم المنشاوي يظهر في حفل زفاف مع طفلة تناديه: بابا.”
وفي أقل من ساعة…
الفيديو كان اتشاف ملايين المرات.
التعليقات كانت بتزيد كل ثانية.
ناس بتبارك.
وناس بتتهم.
وناس بتقول إن كريم كان مخلف بنت في السر.
وفي وسط الفوضى دي…
رن موبايل كريم.
رقم مجهول.
رد بحذر.
“ألو.”
جاله صوت راجل كبير في السن.
“أخيرًا عرفت الحقيقة… بس الحقيقة اللي عندك ناقصة.”
وقف كريم مكانه.
“مين معايا؟”
“أنا الشخص الوحيد اللي يعرف ليه أبوك عمل كل ده.”
اتسعت عيون كريم.
“إنت مين؟”
الراجل قال بهدوء:
“أنا الدكتور شريف… والد ندى.”
ندى أول ما سمعت الاسم، خطفت الموبايل من إيد كريم.
دموعها نزلت في لحظة.
“بابا؟!”
لكن اللي قاله الدكتور شريف بعدها…
خلّى الصدمة ترجع من أول وجديد.
“يا ندى… أنا راجع مصر النهارده… ولازم أقابلكم فورًا.”
“ليه؟”
سكت ثواني.
ثم قال:
“لأن السر الحقيقي… مش عند الحاج محمود.”
“السر… عندي أنا.”
وانقطع الخط.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *