حكايات ندي الجمل

أبويا اتجوز على أمي بعد جواز استمر 30 سنة.
ولما أمي عرفت… ما اتكلمتش، ولا نطقت بحرف واحد. سكتت، وكأنها مغلوبة على أمرها وقبلت بالواقع.
الكل افتكر إنها انكسرت، وإن السنين الطويلة خلتها تستسلم.
لكن محدش كان يعرف إن سكوتها ما كانش ضعف… كان البدايه……….
أبويا اتجوز على أمي بعد جواز استمر 30 سنة.
ولما أمي عرفت، ما عملتش خناقة، ولا كسرت حاجة، ولا راحت تواجه الست التانية.
كل اللي عملته إنها قالت بهدوء: “ربنا يكتبلك الخير.”
الكلمة دي خلت أبويا يبتسم وهو فاكر إنه كسب.
أنا مريم، بنتهم الكبيرة، ووقتها كنت مستغربة من رد فعل أمي.
كنت مستنية أشوف دموع، أو انهيار، أو حتى كلمة عتاب.
لكن ولا حاجة.
كانت بتصحى الصبح تعمل فطار أبويا، وتحضر هدومه، وتتكلم معاه بمنتهى الهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.
لدرجة إن مراتُه الجديدة، نجلاء، بدأت تستغرب.
كانت متوقعة إن أمي تحاربها، لكنها لقت ست هادئة، مبتردش على أي استفزاز.
اللي محدش كان يعرفه… إن أمي ما كانتش استسلمت.
كانت بتراقب.
بتسمع.
وبتحفظ كل كلمة.
عرفت إن أبويا كان بيكذب على نجلاء في حاجات كتير… ووعدها بوعود أكبر من قدرته.
وفي نفس الوقت، كان بيكذب علينا إحنا كمان.
أمي ما كشفتش أي حاجة.
كانت مستنية اللحظة اللي الحقيقة تظهر فيها لوحدها.
كل مرة أبويا يطلب منها تخبي عليه كذبة، كانت ترد بهدوء: “اللي تشوفه.”
وكل مرة نجلاء تسألها سؤال، كانت تجاوبها بالصدق… من غير زيادة ولا نقصان.
ومع الأيام، الكدب بدأ يتكشف بنفسه.
نجلاء اكتشفت إن محمود وعدها بأشياء مستحيل ينفذها.
وأولاده بدأوا يلاحظوا تناقض كلامه.
وأهله بقوا يسمعوا منه رواية، ومن الناس رواية تانية.
أمي عمرها ما فضحته…
هي بس بطلت تستره.
ولأول مرة في حياته، محمود لقى نفسه واقف لوحده…
من غير ما حد يكون واقف ضده.
اليوم اللي بعده، لقيت أمي بتجهز نفسها عادي جدًا.
لبست هدومها، وحطت برفانها، ونزلت.
سألتها: “رايحة فين يا ماما؟”
ابتسمت وقالت: “عندي كام مشوار.”
بعد ساعات رجعت، وكانت ملامحها هادية كعادتها.
ولا سألت أبويا كان فين، ولا قال لها رايح فين.
لكن من اليوم ده، بدأت تعمل حاجة غريبة.
بقت تقابل كل الناس اللي أبويا كان قاطعهم من سنين.
عمتي.
خالتي.
جارتنا القديمة.
حتى أصحاب أبويا القدام.
كانت تزورهم وتسلم عليهم وكأنها بتصلح علاقات انقطعت من زمان.
وأبويا كان مبسوط.
فاكر إنها بتحاول تتأقلم مع الوضع الجديد.
لكن الحقيقة إنها كانت بترجع كل الناس حواليها… علشان لما الحقيقة تظهر، محدش يصدق الكذاب.
بعدها بأسبوع، نجلاء بدأت تتصل بأمي.
في الأول كنت مستغربة.
إزاي الست اللي خطفت جوزها، هي اللي بتكلمها؟
سمعت أمي مرة بتقول لها:
“لو احتجتي أي حاجة أنا موجودة.”
قفلت المكالمة وأنا بصيتلها باستغراب.
قلت: “إنتِ بتعامليها كويس ليه؟”
ردت عليا بهدوء:
“اللي بيظلم، مش لازم أكون زيه.”
ومرت الأيام.
وبدأت نجلاء تشتكي.
مرة تقول إن أبويا بيتأخر.
ومرة تقول إنه وعدها بحاجة وما نفذهاش.
ومرة تقول إنه عصبي جدًا.
وأمي كانت تسمع وبس.
ولا مرة شتمته.
ولا مرة قالت لها كلمة تكرهها فيه.
كانت تكتفي بجملة واحدة:
“يمكن عنده ظروف.”
الجملة دي كانت تستفز نجلاء أكتر.
لأنها كانت منتظرة من أمي إنها تشاركها الكره.
لكن أمي كانت أذكى من كده.
كانت سايبة محمود يقع بكلامه وأفعاله.
بعد شهرين، حصل أول شرخ كبير.
نجلاء اكتشفت إن محمود كان مستلف مبلغ كبير من واحد صاحبه، ووعدها إنه هيشتري لها شقة باسمهما.
اتخانقوا خناقة كبيرة.
ولأول مرة، نجلاء سابت البيت ورجعت عند أهلها.
أبويا جري وراها يصالحها.
وأمي؟
كانت قاعدة في الجنينة بتسقي الزرع.
كأن الموضوع ما يخصهاش.
بصيت لها وقلت:
“إنتِ مش فرحانة؟”
ابتسمت وقالت:
“لسه يا مريم… اللي بيبني حياته على الكذب، بيهدمها بإيده. وأنا مستنية اليوم اللي يشوف فيه الحقيقة كاملة.”
ولأول مرة، حسيت إن أمي عمرها ما كانت ضعيفة…
عدى شهر، وبعده اتنين.
وأبويا بقى عايش بين بيتين.
كل ما يخرج من عند نجلاء ييجي عند أمي يشتكي.
وكل ما يخرج من عند أمي يرجع لنجلاء يحلف لها إنها أهم واحدة في حياته.
كان فاكر إنه يقدر يرضي الاتنين بنفس الكدب.
لكن الكدب عمره ما بيعيش.
في يوم، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة، سألتها:
“إنتِ بجد مش ناوية تعملي أي حاجة؟”
ابتسمت وقالت:
“أنا بعمل… بس محدش واخد باله.”
استغربت كلامها.
لحد ما بدأت أفهم.
كل واحد كان يسألها عن أبويا، كانت ترد بنفس الجملة:
“اسألوه هو… أكيد هيكون عنده إجابة.”
ولا مرة دافعت عنه.
ولا مرة هاجمته.
سابته يواجه أسئلته بنفسه.
ومع الوقت، بقى بينسى هو قال إيه لمين.
مرة يقول إنه كان في الشغل.
ويكتشفوا إنه كان في سفر.
ومرة يقول إنه اشترى شقة.
وبعدين يطلع لسه بيقسطها.
ومرة يوعد نجلاء إنه هيطلق أمي.
ويرجع يقول لأمي:
“إنتِ أم أولادي… مستحيل أسيبك.”
وفي كل مرة… كان بيغرق أكتر.
نجلاء بدأت تشك في كل كلمة.
وأولاده بقوا يردوا عليه ببرود.
حتى أصحابه بقوا يبعدوا عنه، لأن كل واحد سمع منه حكاية مختلفة.
وفي يوم، رجع البيت متعصب.
زعق في أمي وقال:
“إنتِ اللي بوظتي حياتي.”
بصتله بهدوء وقالت:
“أنا؟ أنا من يوم ما عرفت… وأنا ساكتة.”
سكت.
لأنه لأول مرة، ملقاش حاجة يرد بيها.
خرج من البيت وهو مخنوق.
وأنا جريت ورا أمي وقلت:
“إنتِ كنتِ عارفة إن ده هيحصل؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“الكذاب مش محتاج حد يوقعه… هو بيوقع نفسه بنفسه. أنا بس بطلت أشيل عنه النتيجة.”
بعدها بأيام قليلة…
رن جرس الباب.
ولما فتحت…
اتفاجئت إن اللي واقفة قدامي كانت نجلاء…
وشكلها كان بيقول إن لسه كتير مستخبي… وخلاص قرب ينكشف.
كنت بسأل نفسى ازاى قدرت تيجى لحد هنا لحد بيت الست اللى اخدت منها جوزها بس قطع تفكيرى صوت نجلاء وهى بتسألنى..”مامتك موجودة؟”
ناديت على أمي.
خرجت بهدوئها المعتاد، وبمجرد ما شافت نجلاء، قالت:…..
فتحت الباب، لقيت نجلاء واقفة وعينيها حمرا من كتر العياط.
أول ما شافت أمي قالت:
“ممكن أدخل؟”
أمي وسعت لها الطريق من غير ما تسألها أي سؤال.
دخلت، وقعدت على الكنبة، وسكتت شوية.
بعدها قالت بصوت مكسور:
“أنا جاية أعتذرلك.”
أنا اتصدمت.
دي نفس الست اللي كانت السبب في خراب بيتنا.
أمي بصتلها بهدوء وقالت:
“الاعتذار لله… أنا ماليش عندك حاجة.”
نجلاء نزلت دموعها وقالت:
“كنت فاكرة إنه اتظلم معاك… وإنك كنت مقصرة في حقه.”
أمي ما ردتش.
كملت نجلاء:
“لكن اكتشفت إنه كان بيحكي لكل واحد حكاية.”
“كل يوم كذبة.”
“كل يوم وعد.”
“حتى أنا… كنت مجرد وعد جديد.”
سكتت لحظة، وبعدين طلعت من شنطتها ظرف.
وقالت:
“ده كله كان معايا… صور ورسائل وحاجات كان بيقولها ليا… ولغيري.”
أنا بصيت لأمي مستنية تشوفهم.
لكن أمي زقت الظرف ناحية نجلاء وقالت:
“خليه معاكي.”
استغربت نجلاء وقالت:
“مش عايزة تعرفي؟”
ابتسمت أمي لأول مرة من يوم الأزمة وقالت:
“أنا عرفت الحقيقة من أول يوم… مش محتاجة دليل.”
نجلاء خرجت وهي مكسورة.
وقبل ما تمشي قالت:
“أنا هسيبه.”
قفلت أمي الباب بهدوء.
بصيت لها وقلت:
“يعني انتهى كل حاجة؟”
قالت:
“لسه.”
بعد أسبوع…
رجع أبويا.
كان شكله متبهدل، ودقنه طويلة، وملامحه مرهقة.
وقف قدام أمي وقال:
“أنا غلطت.”
أمي ما ردتش.
قال:
“نجلاء سابتني.”
سكتت.
قال:
“الأولاد مبقوش يردوا على تليفوناتي.”
فضلت ساكتة.
وأخيرًا قال:
“ارجعيلي… وننسى اللي حصل.”
أمي قامت من مكانها، وبصتله في عينه لأول مرة من شهور.
وقالت بهدوء:
“أنا من يوم ما اتجوزت عليك… وأنت خسرتني.”
“بس كنت مستنية اليوم اللي تعرف فيه إن اللي ضاع… عمره ما بيرجع.”
لفت ودخلت أوضتها، وسابته واقف لوحده.
وأنا وقتها فهمت سر سكوتها.
هي ما كانتش مستنية تنتقم.
كانت مستنية الحقيقة هي اللي تنتقم.
وأقسى عقاب اتعاقب بيه أبويا…
إنه خسر الست اللي حبته بإخلاص لمدة ثلاثين سنة، وخسر احترام أولاده، وفي الآخر بقى وحيدًا… بسبب أفعاله هو
عدى ست شهور.
وأبويا بقى ييجي كل أسبوع يقف تحت البيت.
مش علشان يشوف أمي…
علشان يشوف البيت اللي كان فاكر إنه هيكون موجود مهما عمل.
في مرة، نزلت أمي بنفسها.
وقف أول ما شافها، وقال بسرعة:
“أنا مستعد أعمل أي حاجة.”
قالت بهدوء:
“فات الأوان.”
وقبل ما يمشي، قال لها:
“هو إنتِ عمرك ما فكرتي تنتقمي مني؟”
ابتسمت لأول مرة من قلبها، وقالت:
“أنا انتقمت بالفعل.”
اتصدم.
وقال:
“إزاي؟”
ردت:
“لما اتجوزت عليا، كنت فاكر إنك كسرتني.”
“لكن اللي حصل إنك كسرت البيت كله… وخسرت كل واحد كان بيحبك.”
“أنا لا شتمتك، ولا فضحتك، ولا حرضت حد عليك.”
“أنا بس سبتك تواجه نتيجة اختياراتك.”
نزل أبويا راسه.
وقال بصوت مبحوح:
“كنت فاكر إنك أضعف واحدة في القصة.”
قالت:
“وده كان أكبر غلط عملته.”
في نفس اللحظة، نزل أحمد أخويا من العمارة.
كان أول مرة يقف قدام أبويا من شهور.
بصله وقال:
“إحنا عمرنا ما بعدنا عنك علشان اتجوزت.”
“إحنا بعدنا… لأنك كذبت علينا كلنا.”
الكلمات دي كانت أشد عليه من أي عقاب.
لف أبويا ومشي ببطء.
وأول مرة أشوف راجل كان الكل بيعمله ألف حساب…
ماشي وهو حاسس إنه خسر كل حاجة.
بصيت لأمي وقلت:
“حاسة بالشماتة؟”
هزت رأسها وقالت:
“لا.”
“أنا حاسة إن صفحة من عمري اتقفلت.”
دخلت البيت، وقفلت الباب وراها.
ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية…
حسيت إن البيت رجع هادي.
لكن أمي عمرها ما رجعت الست اللي كانت قبل الخيانة…
بقت أقوى.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *