اخويا
الجزء الثالث
يوم ما سلمى دخلت بيت العيلة وهي زوجة محمود، حسيت إن الدنيا ضاقت بيا.
مش لأنها بقت مرات أخويا… لكن لأنها كانت ماشية رافعة راسها بعد ما خرجت من بيتي مكسورة.
أمي أول ما شافتها حضنتها وقالت: “نورتي بيتك يا بنتي.”
الكلمة دي جرحت نجلاء.
أول مرة حسّت إن في واحدة في البيت ليها مكانة أكبر منها.
ومن اليوم ده، بدأت المشاكل.
كانت أمي كل شوية تطلع عند محمود وسلمى، تشرب معاهم الشاي، وتضحك، وتسأل سلمى لو محتاجة حاجة.
أما نجلاء، فكانت كل ما تنزل تقعد معاها، أمي تقولها: “خلاص يا نجلاء… اطلعي شقتك، سيبينا نقعد شوية.”
نجلاء كانت تكتم غيظها، لكن أول ما نقفل علينا باب شقتنا، تبدأ الخناقات.
“شايف أمك بتعمل إيه؟” “هي شايفة مرات أخوك بنتها، وأنا ولا ليا أي قيمة.”
وأنا كنت كل مرة أحاول أهديها، لكن الحقيقة… كنت عارف إن أمي عمرها ما سامحتني على اللي عملته في سلمى.
أما سلمى، فكانت متجنبة أي احتكاك بينا.
لو قابلتني في السلم، تسلم في هدوء وتمشي.
ولا مرة حاولت تفتح كلام عن الماضي.
وده كان بيكسرني أكتر من أي عتاب.
وفي يوم، وأنا راجع من الشغل، سمعت صوت خناقة مالية البيت.
نزلت أجري، لقيت نجلاء واقفة بتزعق لسلمى، وسلّمى ساكتة.
أمي كانت واقفة بينهم، ولأول مرة سمعتها تقول بصوت عالي:
“سلمى عمرها ما غلطت في حد… اللي عنده مشكلة، ياخد مراته ويعيش بعيد.”
سكت البيت كله.
حتى أبويا ما اتكلمش.
بصيت لنجلاء، لقيت الدموع في عينيها، وبصيت لسلمى، لقيتها ماسكة إيد محمود، وقالت بهدوء:
“يلا يا محمود… إحنا مش جايين نعمل مشاكل.”
وطلعوا شقتهم.
في اللحظة دي، حسيت إني خسرت كل حاجة…
خسرت الست اللي كانت بتحبني بصدق، وخسرت راحة البيت، وحتى أمي بقى بينا وبينها حاجز عمره ما اتكسر.
بعد الخناقة دي، البيت عمره ما رجع زي الأول.
كل واحد بقى عايش في حاله، لكن التوتر كان مالي المكان.
نجلاء بقت كل يوم تزن على وداني:
“إحنا لازم نمشي من هنا. طول ما إحنا في بيت العيلة، أمك هتفضل تقارن بيني وبين سلمى.”
كنت في الأول برفض، لأن المصنع كان قريب، وأبويا وأمي كانوا محتاجين حد معاهم.
لكن المشاكل كانت بتزيد يوم بعد يوم.
الغريب إن سلمى عمرها ما تدخلت.
كانت تشوف أي خناقة، وتاخد محمود وتطلع شقتهم في هدوء.
ولا كلمة… ولا رد.
وده كان يخليني كل يوم أفتكر قد إيه كنت ظالمها.
وفي يوم، وأنا قاعد مع أبويا في الجنينة، سألني فجأة:
“إنت مرتاح يا أحمد؟”
سكت.
قال وهو بيبص في الأرض:
“الإنسان ساعات بيفتكر إنه كسب، وهو في الحقيقة بيكون خسر أغلى حاجة في حياته.”
الكلام دخل قلبي زي السهم.
لأول مرة، حسيت إن أبويا عارف كل اللي جوايا.
بعدها بكام يوم، تعبت أمي ودخلت المستشفى.
كلنا جرينا عليها.
أنا ونجلاء… محمود وسلمى… وأبويا.
ولما فتحوا لنا باب الزيارة، كان أول حد دخل لأمي… سلمى.
قعدت جنبها، ومسكِت إيدها، وهي بتعيط.
وأمي بصتلها وقالت بصوت ضعيف:
“سامحيني يا بنتي… أنا وعدت أمك أحافظ عليكي، لكن معرفتش أحميكي من ابني.”
سلمى حضنتها وهي بتبكي وقالت:
“حضرتك ملكيش ذنب… كل واحد بيتحاسب على أفعاله.”
كنت واقف عند الباب.
أول مرة أحس إن كلمة واحدة ممكن تهز الراجل من جواه.
ما قدرتش أبص في وش سلمى.
ولا قدرت أدخل أسلم على أمي.
خرجت من الأوضة وأنا حاسس إن الحمل اللي شايله على كتفي بقى أتقل من أي وقت فات.
ومن يومها… عرفت إن في جروح، حتى لو الزمن عدى عليها سنين، عمرها ما بتختفي.
تفضل، ده الجزء الخامس، مع الحفاظ على أسلوب التشويق وبدون الجزم بأن الأحداث وقعت فعلًا إذا كانت القصة مستوحاة من واقع.
Writing
الجزء الخامس
خرجت من المستشفى وأنا حاسس إن الدنيا كلها بتعاتبني.
كلام أمي وهي على سرير المرض فضل يرن في وداني:
“معرفتش أحميها منك يا أحمد…”
من يومها، بقيت أهرب من نفسي.
أنزل المصنع بدري، وأرجع متأخر، عشان ما أقابلش حد.
لكن مهما هربت، كنت كل يوم أشوف الفرق بعيني.
محمود كان راجع من شغله، وسلمى مستنياه على السفرة. يضحكوا، يشربوا الشاي، ويقعدوا يتكلموا كأنهم أصحاب قبل ما يكونوا زوجين.
وساعتها كنت أسأل نفسي…
ليه أنا ما عرفتش أحافظ على النعمة دي؟
في المقابل، حياتي مع نجلاء بقت كلها خناقات.
كل كلمة بينا تتحول لمشكلة.
وكل مشكلة تفتح اللي قبلها.
وفي يوم، رجعت من الشغل بدري.
سمعت صوت نجلاء وهي بتكلم صاحبتها في التليفون.
ماكنتش تعرف إني واقف قدام الباب.
قالت وهي بتضحك:
“أنا من أول يوم دخلت دماغ أحمد، كنت عارفة إنه هيسيب مراته. كان سهل أوي… كلمة حلوة هنا، واهتمام هناك، والباقي هو عمله بنفسه.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
دخلت عليها فجأة، أول ما شافتني سكتت.
قولتلها بهدوء: “كملي… ليه وقفتي؟”
وشها اتغير.
حاولت تبرر وتقول إنها كانت بتهزر.
لكن لأول مرة، ما صدقتهاش.
افتكرت كل حاجة.
كل مرة كانت تقلل من سلمى.
كل مرة كانت تخليني أشوف عيوبها وأنسى مميزاتها.
لكن في الآخر، الحقيقة كانت واضحة…
أنا اللي سمحت لحد يدخل بيني وبين مراتي.
وأنا اللي اخترت أظلمها.
وأنا اللي هدّمت بيتي بإيدي.
وفي الليلة دي، فضلت صاحي للفجر.
ولأول مرة من سنين…
وقفت أصلي، وفضلت أدعي ربنا يغفرلي على كل دمعة نزلت من عين سلمى بسببي.
.