حكايات روماني مكرم الاول
قضيتُ الساعة الأولى وأنا أتحرك كالألية. أقدم الضيافة وأتلقى نظرات حماتي الباردة، وابتسامات بنت أخيها الغامضة التي تعمدت ألا توجه لي حديثاً مباشراً، بل كان كل تركيزها ونظراتها الملتفة تتجه صوب زوجي كلما دخل أو خرج من الصالة.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
انسحبتُ بذكاء نحو المطبخ بحجة إعداد القهوة، وكتلة من النار تشتعل في صدري. كان صوت الحديث في الصالة منخفضاً، لكن الممر المؤدي للمطبخ يمر خلف الجدار الخلفي للصالون.
وقفتُ أضع السكر في الفناجين، وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف يدي، حتى سمعتُ همس حماتي الحاد موهةً صوتها وهي تتحدث مع بنت أخيها بكل حماس وثقة:
– “سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني، والمرة دي مفيش حاجة هتوقفنا…”
فيا ترى، هل سينفذ زوجي مخطط أمه ويخون عهدنا، أم أن لندى رأياً آخر ستنقلب به كل الموازين؟
خرجتُ من المطبخ وأنا أحمل صينية القهوة، ويداي تستقران عليها بثباتٍ حديدي أخفى تحته بركاناً يغلي. زجاج الفناجين لم يرتجف، ونظراتي لم تعد تلك النظرات الحائرة التي دخلت بها المطبخ قبل دقائق. لقد تبدلت الندى؛ فالصدمة حين تبلغ ذروتها تتحول إلى يقظة حادة، والكلمات التي التقطتها أذني خلف الجدار لم تكسرني، بل رسمت أمامي الخريطة كاملة.
دخلتُ الصالون بابتسامة هادئة ومتقنة، ابتسامة لا تحمل غضباً ولا قلقاً، بل ثقة مريبة أربكت حماتي فوراً. وضعتُ الصينية على الطاولة الزجاجية، ونظرتُ إلى بنت خال زوجي التي كانت تجلس بميلاسٍ متعمد، تُظهر كعوب حذائها الأنيق وتوزع نظراتها بين زوايا البيت وساعة زوجي المعلقة على الحائط.
– “القهوة مظبوطة زي ما بتحبيها يا ماما.. وبنت خالك كمان قهوتها سكر خفيف، مظنون مش كده؟”
تأمتلأت عينا حماتي بالدهشة، بينما ارتبكت الفتاة للحظة وقالت بصوت متمهل تحاول فيه إظهار الترف:
– “أه.. مرسي يا ندى.”
جلس زوجي في الطرف المقابل، كان يفرك كفيه ببعضهما، ونظراته تزيغ بيني وبين أمه. لم يتكلم، وكأنه يمارس الحياد السلبي الذي أتقنه منذ لحظة وصولهما. رفعتُ رأسي ونظرتُ له مباشرة، ابتسمتُ له بنفس الهدوء وقسوتُ بصوتي في نبرة نعومة ظاهرة: