ثلاث شهور
تقدمت ليلى حتى وصلت لمكان قريب من الكوشة، تماماً كما طلب هو في دعوته “في الصفوف الأولى”. التقت نظراتها بنظرات كريم التي كانت تفيض بذهول وانكسار ومئات الأسئلة التي تصرخ خلف حنجرته.
همست لارا بصوت طفولي نقي وصل لآذان الواقفين في صمت:
“مامي.. هو ده العريس اللي هنباركله؟”
ابتسمت ليلى ببرود يحرق الأعصاب وقالت بوضوح:
“أيوة يا لارا.. سلمي على طنط رانيا.. وباركوا لـ (كريم بيه) على حياته الجديدة.”
في تلك اللحظة، ترك كريم يد عروسه وخطا خطوة لأسفل الكوشة كالمغيب، عيناه لا تفارق الصغار. همس بصوت مخنوق:
“ليلى.. دول.. دول مين؟”
ردت ليلى وهي ترفع رأسها، والشموخ يملأ نبرتها:
“دول اللي أنت افتكرت إنك ضيعتهم لما ضيعتني يا كريم. دول (آدم وياسين ولارا).. ولادي اللي بنيت بيهم حياتي في الوقت اللي كنت أنت مشغول فيه بتبني (وهم) جديد.”
هرج ومرج بدأ يسود القاعة، وكاميرات الموبايلات التي كانت تصور العروسين تحولت فجأة لتصور هذا المشهد الدرامي. رانيا صرخت بغل مكتوم:
“كريم! أنت هتعمل إيه؟ ارجع مكانك! دي جاية تبوظ الفرح!”
لكن كريم لم يكن يسمعها. كان ينظر لياسين الذي بدأ يلعب بـ “البيونة” الخاصة ببدلته بملل، ثم نظر لآدم الذي كان ينظر إليه بجمود غريب، وكأنه يشعر بأن هذا الرجل الغريب هو سبب دمعة رآها يوماً في عين أمه.
مد كريم يده ليمسح على رأس آدم، لكن ليلى جذبت ابنها بخفة خلفها، وقالت بنبرة حادة كالسكين:
“المكان اللي أنت حجزتهولي عشان أشوف منه حياتك بوضوح.. خلاني أشوف فعلاً قد إيه أنا كنت صح لما مشيت وما بصيتش ورايا. مبروك يا كريم.. مبروك يا رانيا.”
التفتت ليلى لتمشي، لكن كريم قبض على ذراعها بلهفة:
“مش هتمشي يا ليلى.. مش بعد ما شوفتهم.. دول ولادي! الورق.. التحاليل.. تلات سنين مخبية عني ولادي؟!”
هنا، تحولت نظرة ليلى من البرود إلى قوة جارفة، ونظرت في عينيه قائلة:
“ولادك؟ ولادك اللي سيبت أمهم بـ (ورقة) في بيت أهلها وهي مش عارفة بكرة فيه إيه؟ اللي اتخطبت لغيرها قبل ما حبر الطلاق ينشف؟”
ضحكت بمرارة وأكملت: “القدر ملوش صاحب يا كريم.. وأنت النهاردة اللي اخترت العرض ده.. استمتع بنهايته.”
سحبت يدها بقوة، وتحركت للخارج والكل يفسح لها الطريق بذهول. خلفها، ترك كريم الكوشة تماماً ولحق بها لبهو الفندق، وترك رانيا تصرخ بانهيار وسط المعازيم.