ست سنين الجزء الاخير
فضل الجميع ساكتين.
كل واحد فيهم بقى بيفكر في سؤال واحد…
إذا كان اللي حصل كله كان متخطط له، يبقى مين كان المستفيد؟
كريم كان لسه ماسك الصورة، وعينه على الجملة المكتوبة ضهرها.
قال وهو بيبص لأبوه:
“دي مش خطي… وأنا متأكد مليون في المية.”
الحاج محمود أخد الصورة من إيده.
بمجرد ما شافها، وشه اتغير.
“أنا أول مرة أشوفها.”
كريم رد بعصبية:
“يعني مش إنت اللي كتبتها؟”
“لأ.”
ندى قربت منهم.
“أنا كمان كنت فاكرة إن الجملة دي من كريم… وعشان كده احتفظت بالصورة كل السنين دي.”
كريم بص لها بدهشة.
“يعني إنتِ صدقتي إني أنا اللي كتبتها؟”
هزت راسها.
“كنت مصدقة… لحد النهارده.”
المستشار فؤاد مد إيده وقال:
“وروني الصورة.”
فضل يبص فيها ثواني، وبعدها قال:
“الجملة مكتوبة بقلم مختلف عن التوقيع.”
كريم عقد حواجبه.
“يعني إيه؟”
“يعني التوقيع الأصلي كان موجود… وبعدها حد كتب الجملة دي بقلم تاني.”
الجميع بص لبعض.
ندى همست:
“حد كان عايز يخليني أصدق إن كريم وعدني بحاجة… وبعدها خان وعده.”
الحاج محمود فجأة افتكر حاجة.
ضرب كفه في بعض وقال:
“السكرتيرة!”
لفوا كلهم ناحيته.
“أنهي سكرتيرة؟”
“سكرتيرة الشركة القديمة… سها.”
كريم استغرب.
“مالها سها؟”
تنهد الحاج محمود.
“كانت المسؤولة عن كل المراسلات اللي بينك وبين ندى.”
ندى شهقت.
“يعني هي كانت بتستلم رسايلي؟”
هز راسه.
“أيوه.”
كريم قرب منه.
“وليه عمرها ما قالتلي؟”
الحاج محمود بلع ريقه.
“لأنها استقالت بعد اختفاء ندى بأسبوع… وسافرت.”
المستشار فؤاد قال بهدوء:
“الغريب إن استقالتها كانت فجأة جدًا.”
رامي، اللي كان ساكت طول الوقت، طلع موبايله وبدأ يدور.
وبعد دقيقة قال:
“لقيتها.”
كلهم بصوا له.
“عايشة في الإسكندرية… ولسه فاتحة مكتب محاسبة صغير.”
كريم قال من غير تردد:
“هنسافر لها بكرة الصبح.”
في اللحظة دي، مليكة قربت من كريم.
“هو إحنا هنروح رحلة؟”
ابتسم ومسح على شعرها.
“أيوه يا حبيبتي.”
“وأنا هاجي معاكم؟”
بص لندى.
ندى ابتسمت لأول مرة من بداية الليلة.
“لو بابا كريم وافق.”
الكلمة خرجت منها من غير ما تحس.
أول ما قالتها، سكتت وبصت لكريم بخجل.
أما مليكة…
فحضنت كريم وهي بتضحك.
“يبقى خلاص… بقى بابا كريم بجد.”
كريم ضمها لحضنه.
وأول مرة يحس إنه بيعوض جزء صغير من السنين اللي ضاعت.
لكن في نفس اللحظة…
كان في مكان تاني، على بعد مئات الكيلومترات.
ست في أوائل الأربعينات كانت قاعدة في مكتبها، ولما رن موبايلها وشافت اسم المتصل، اتوترت.
ردت بسرعة.
“ألو؟”
جالها صوت راجل غاضب.
“كريم عرف كل حاجة… ولو اتكلمتي، هتدخلي السجن.”
اتسعت عيونها.
“بعد كل السنين دي… لسه خايف من الحقيقة؟”
قفل الراجل الخط.
أما هي…
فقامت فتحت درج مكتبها، وطلعت ملف قديم عليه تراب.
وبين أوراقه كانت موجودة…
كل الرسائل الأصلية اللي كريم وندى كتبوها لبعض من ست سنين، واللي ما وصلتش أبدًا.
تاني يوم الصبح…
كريم ما نامش ولا دقيقة.
كل ما يقفل عينه، يشوف مليكة وهي بتناديه “بابا”، ويرجع يفتكر إنه ضيع أول كلمة، وأول خطوة، وأول يوم مدرسة… ست سنين كاملين من عمر بنته.
وقف قدام شباك مكتبه، وهو باصص للقاهرة اللي بدأت تصحى.
دخل عليه رامي.
“العربية جاهزة.”
لف كريم ناحيته.
“ندى ومليكة؟”
“في العربية مستنيين.”
نزل بسرعة.
أول ما فتح باب العربية، مليكة ابتسمت.
“صباح الخير يا بابا كريم.”
ابتسم من قلبه، وقعد جنبها في الكنبة الخلفية.
طول الطريق كانت بتحكيله عن مدرستها، وصاحبتها المفضلة، وإزاي بتخاف من الحقن، وإزاي نفسها تتعلم تعوم.
كان بيسمعها وهو حاسس إن كل كلمة بتوجعه…
لأنه كان المفروض يكون موجود في كل الذكريات دي.
بعد حوالي تلات ساعات…
وصلوا للإسكندرية.
وقفوا قدام عمارة قديمة في شارع هادي.
طلعوا الدور التالت.
وكان على الباب لافتة صغيرة مكتوب عليها:
سها رأفت – محاسبة قانونية.
خبط كريم.
بعد لحظات، الباب اتفتح.
ست في أوائل الأربعينات، أول ما شافته، اتغير لون وشها.
همست:
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
كريم دخل من غير ما يستنى دعوة.
وقال بحدة:
“عايز الحقيقة.”
سها قعدت على أقرب كرسي، وكأن رجليها مبقوش شايلينها.
بصت لندى.
وبعدين لمليكة.
ولما شافت كريم ماسك إيد بنته…
بدأت تعيط.
قالت:
“أنا السبب.”
ندى قربت منها.
“تقصدي إيه؟”
“كل الرسائل اللي كنتوا بتبعتوها لبعض… كانت بتوصلني أنا الأول.”
كريم صرخ:
“وليه؟”
“لأن ده كان شغلي.”
“وبعدين؟”
نزلت دموعها.
“في الأول كنت بسلمها للحاج محمود.”
الحاج محمود، اللي كان واقف ساكت طول الطريق، نزل بعينه في الأرض.
سها كملت:
“لكن بعد فترة… شخص تاني بدأ ياخدها.”
عقد كريم حواجبه.
“مين؟”
سكتت.
واضح إنها خايفة.
رامي قال بحزم:
“بعد كل اللي حصل… مفيش داعي تخافي.”
بصت سها ناحية الباب، كأنها خايفة حد يكون بيسمعهم.
وقالت بصوت واطي:
“اللي كان بياخد الرسائل… ماكانش الحاج محمود.”
اتسعت عيون الجميع.
“كان…”
وفجأة…
رن جرس الباب.
الكل سكت.
سها قامت تبص من العين السحرية.
وفجأة رجعت لورا وهي مرعوبة.
“إلحقوا… هو هنا!”
كريم قرب منها بسرعة.
“مين؟”
قالت وهي بتترعش:
“الشخص اللي دمر حياتكم… وجاي دلوقتي ياخد الملف قبل ما تشوفوه!”
وفي نفس اللحظة…
بدأ مقبض الباب يتحرك ببطء من الخارج.
Writing
اتسمرت أنظار الجميع ناحية الباب.
مقبض الباب اتحرك مرة…
واتنين…
وبعدين سمعوا صوت خبط هادي.
“سها… افتحي. أنا عارف إن عندك ضيوف.”
كريم أشار للجميع يلتزموا الصمت.
أما سها، فكان وشها شاحب، وإيديها بتترعش.
همست:
“هو… هو.”
اقترب كريم من الباب في هدوء، وفتح فجأة.
لكن الشخص اللي كان واقف بره ماكانش الراجل اللي توقعه.
كانت ست في الخمسينات، لابسة بدلة رسمية، وماسكة حقيبة جلد.
بصت لكريم وقالت:
“أنا الأستاذة ليلى… المحامية الخاصة بالمرحوم عادل الدمنهوري.”
عقد كريم حاجبيه.
“ادخلي.”
دخلت وهي باصة حواليها.
“واضح إنكم بدأتوا تعرفوا الحقيقة.”
رد كريم بحدة:
“قولِ اللي عندك.”
فتحت الحقيبة، وطلعت ملف صغير، وحطته على الترابيزة.
“قبل ما الأستاذ عادل يموت، طلب مني أسلم الملف ده أول ما أعرف إنك رجعت لندى.”
ندى استغربت.
“هو ماله بالموضوع؟”
فتحت ليلى الملف، وطلعت منه عقد قديم.
كان اتفاق شراكة بين عيلة المنشاوي وعيلة الدمنهوري.
وقالت:
“زمان… الاتفاق كان بيقول إن الشركتين يندمجوا، لكن بشرط واحد.”
كريم عرف الإجابة قبل ما تنطق.
“إني أتجوز بنته.”
هزت رأسها.
“أيوه.”
سها أخدت نفس عميق وقالت:
“ولما حضرتك رفضت… الأستاذ عادل هدد إنه ينسحب من كل المشروعات.”
كريم لف ناحية أبوه.
الحاج محمود قال بصوت مكسور:
“كنت فاكر إن الشركة هتقع… وإن آلاف الموظفين هيضيعوا.”
ليلى هزت رأسها بالنفي.
“وده أكبر غلط.”
الجميع بص لها.
قالت:
“لأن الأستاذ عادل كتب اعتراف قبل وفاته.”
طلعت ورقة تانية.
“اعترف فيها إنه هو اللي طلب تزوير الرسائل… وهو اللي دفع فلوس لسها علشان توقف أي تواصل بين كريم وندى.”
سها انفجرت في البكاء.
“أنا غلطت… كنت صغيرة، وافتكرت إن الموضوع مجرد انفصال بين اتنين بيحبوا بعض.”
بصتلهم وهي بتعيط.
“مكنتش أعرف إن فيه طفلة هتتحرم من أبوها.”
كريم فضل ساكت.
بص لأبوه.
وقال بهدوء:
“إنت غلطت.”
نزل الحاج محمود رأسه.
“عارف.”
“وهو غلط.”
وأشار للعقد.
“وسها غلطت.”
هزت رأسها وهي بتبكي.
سكت لحظة…
وبعدين بص لمليكة.
كانت قاعدة على الكنبة، ورسمتها القديمة في حضنها، ومش فاهمة كل الكلام اللي بيدور.
مشى ناحيتها.
قعد قدامها.
وقال بابتسامة دافية:
“مليكة… تعرفي أنا نفسي في إيه؟”
هزت رأسها.
“نفسي تعوضيني عن كل عيد ميلاد فاتني.”
ضحكت وهي حضنته.
“بس بشرط.”
“إيه هو؟”
“متتأخرش عليا تاني.”
ضمها لحضنه بقوة.
“أوعدك… ولا يوم.”
رفع عينه لندى.
كانت واقفة قدامه، الدموع في عينيها، لكن لأول مرة من ست سنين… كانت دموع راحة.
مد إيده لها.
ترددت ثواني.
ثم حطت إيدها في إيده.
قال بصوت هادئ:
“اللي ضاع من عمرنا عمره ما هيرجع… لكن اللي جاي بإيدينا.”
ابتسمت وهي بترد:
“المرة دي… هنواجه الدنيا سوا.”
بعد ست شهور…
افتتح كريم وندى جناحًا جديدًا في مستشفى الأطفال.
وأصرت مليكة تقص الشريط بنفسها.
وقفت قدام الكاميرات وقالت بكل براءة:
“بابا بيبني مستشفيات… وماما بتعالج الأطفال… وأنا لما أكبر هعمل زيهم.”
صفق الجميع.
أما الحاج محمود…
فكان واقف بعيد، يراقبهم في صمت.
عارف إن بعض الأخطاء عمرها ما بتتنسى…
لكن ممكن يبدأ يكفر عنها، حتى لو بعد سنين طويلة.
النهاية.